الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
21
نفحات القرآن
ومن هنا يتّضح لماذا لم يستند إبراهيم عليه السلام إلى طلوع هذه الكواكب مع أنّ الطلوع والغروب كلاهما مصداقان للحركة ؟ وذلك لأنّ ظاهرة الزوال والفناء وانقطاع الفيض والبركة يشاهد في الغروب تماماً في حين لا يشاهد ذلك في الطلوع . وعليه فإنّ الفصاحة والبلاغة تقتضيان أن يكون الاعتماد على ( الغروب ) لكي تتوضّح القضيّة أكثر ، وتكون مقبولة تماماً لدى جميع الطبقات ، وهذه النقطة جديرة بالملاحظة أيضاً وهي أنّ الحركة - كما سيأتي - لها أنواع وأوضحها هي ( الحركة في المكان ) وقد استند إليها في الآية ( الحركة المكانية هنا مقترنة بالحركة الكيفية ، لأنّ كيفية النور في هذه الكواكب تتغيّر مع الحركة وتكون ضعيفة النور عند الغروب حتّى تختفي عن الأنظار ) . يعتقد بعض الفلاسفة أنّ هذه الآية تتضمّن إشارة إلى برهان الحركة حيث يقول تعالى : « وَتَرَى الجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدةً وهِىَ تَمرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذى أَتْقَنَ كُلَّ شَىءٍ إِنَّهُ خَبيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ » . ( النمل / 88 ) فيقول أولئك بأنّ هذا التعبير ناظر إلى ( الحركة الجوهرية ) وهي الحركة التي تكون في ذات الأشياء وباطنها ، الحركة التي تدلّ على أنّ عالم المادّة بأجمعه حادث ويحتاج إلى خالق [ سيأتي شرح هذا الكلام في باب الإيضاحات بإذن اللَّه ] ولكن بناءً على أنّ الآية ناظرة إلى حقيقة ( الحركة الجوهرية ) فانّها لا تشير إلى الاستدلال التوحيدي ولا إلى الاستفادة من ظاهرة الحركة لإثبات وجود اللَّه ( تأمّل جيّداً ) . ويعتقد أغلب المفسّرين بأنّ هذه الآية ترتبط بأشراط الساعة ( أشراط الساعة هي الأحداث المروّعة التي تحدث عند قيام القيامة وخاصّة تَحَرُّك الجبال وتلاشيها ثمّ صيرورتها غباراً كما جاء في آيات عديدة من القرآن الكريم ) « 1 » .
--> ( 1 ) للمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة التفسير الأمثل ، ذيل الآية 88 من سورة النمل .